ابن قيم الجوزية
57
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ضاهاهم من القدرية ، فإنهم يثبتون مع اللّه خالقا آخر ، وإن لم يقولوا : إنه مكافئ له ، والقدرية المجوسية تثبت مع اللّه خالقين للأفعال ، ليست أفعالهم مقدورة للّه ، ولا مخلوقة لهم ، وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها ، ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين لها ، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين . فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال . وحقيقة قول القدرية المجوسية : أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ، ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه ؟ مع أن في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه ، إذ هو المعين عليها والموفق لها ، وهو الذي شاءها منهم ، كما قال في غير موضع من كتابه وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * فهو محمود على أن شاءها لهم ، وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته ، فهو المحمود عليها في الحقيقة . وعندهم : أنهم هم المحمودون عليها ، ولهم الحمد على فعلها ، وليس للّه حمد على نفس فاعليتها عندهم ، ولا على ثوابه وجزائه عليها . أما الأول : فلأن فاعليتها بهم لا به ، وأما الثاني : فلأن الجزاء مستحق عليه استحقاق الأجرة على المستأجر ، فهو محض حقهم ، الذي عاوضوه « 1 » عليه . وفي قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رد ظاهر عليهم . إذا استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته ، فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده ، إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده ، بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ولا مشيئته .
--> ( 1 ) العوض واحد الأعواض تقول منه عاضه وأعاضه وعوضه تعويضا وعاوضه أعطاه العوض .